المقالة الثالثة من الادب المقارن بين مسرحية (مجنون ليلى) ومسرحية (وروميو وجولييت) بقلم د/طارق رضـوان (3)

المقالة الثالثة من الادب المقارن بين مسرحية (مجنون ليلى) ومسرحية (وروميو وجولييت) بقلم د/طارق رضـوان (3)

 

 

 

 

 

 

layla

 

المقالة الثالثة من الادب المقارن بين مسرحية (مجنون ليلى) ومسرحية (وروميو وجولييت)
بقلم د/طــــارق رضـــــــوان

المـــــــقــــــدمــــــه
يعد شكسبير أحد العباقرة الذين أنجبتهم البشرية عن طريق ما أثرى به التراث الإنساني من أدبيات وأخلاقيات جملها سطور مؤلفاته..
وإلى وقتٍ ليس ببعيد كانت بريطانيا تنعت بالمملكة التي لا تغيب عنها الشمس لكثرة مستعمراتها، والأجمل من ذلك والمثير للإجلال- مقارنة بالعصر الراهن – أنها كانت – أي بريطانيا- مستعدة للتنازل عن كل تلك المستعمرات دون التنازل عن مسرحية واحدة من مسرحيات شكسبير، ذلك العبقري الذي أضفى على التراث الإنجليزي ما لا طاقة له به من الجمال والعظمة والجلال، سواءً لغةً أو تحليلاً نفسياً واجتماعياً أو توغلاً في أعماق النفس البشرية أو حتى ما أسبغه على الشعر الإنجليزي من حلاوة ورقة وتشبيهات نادرة ومبتكرة..

الواقعية والرومنسية في المسرحية

المقالة الثالثة من الادب المقارن بين مسرحية (مجنون ليلى) ومسرحية (وروميو وجولييت)
بقلم د/طــــارق رضـــــــوان

المـــــــقــــــدمــــــه
يعد شكسبير أحد العباقرة الذين أنجبتهم البشرية عن طريق ما أثرى به التراث الإنساني من أدبيات وأخلاقيات جملها سطور مؤلفاته..
وإلى وقتٍ ليس ببعيد كانت بريطانيا تنعت بالمملكة التي لا تغيب عنها الشمس لكثرة مستعمراتها، والأجمل من ذلك والمثير للإجلال- مقارنة بالعصر الراهن – أنها كانت – أي بريطانيا- مستعدة للتنازل عن كل تلك المستعمرات دون التنازل عن مسرحية واحدة من مسرحيات شكسبير، ذلك العبقري الذي أضفى على التراث الإنجليزي ما لا طاقة له به من الجمال والعظمة والجلال، سواءً لغةً أو تحليلاً نفسياً واجتماعياً أو توغلاً في أعماق النفس البشرية أو حتى ما أسبغه على الشعر الإنجليزي من حلاوة ورقة وتشبيهات نادرة ومبتكرة..

الواقعية والرومنسية في المسرحية

من المزايا الحميدة التي تضاف إلى عمل شكسبير هذا ، جمعه بين الواقعية والرومنسية.
الواقعية : تتمثل في كشفه للواقع الاجتماعي بعنف قسوته ، من خلال تصويره للحب العظيم الذي نشأ بين روميو وجولييت، وهو يتعرض لمشاكل معقدة معظمها ينبع من المجتمع وتقاليده.
فشكسبير من خلال مسرحيته أراد أن يهدم ويطعن العداء القديم الذي كان بين الأسرتين ،لأنه عداء قبلي قديم قابل للاشتعال في أي وقت، فبين عداء القبائل ولن التنافر والكراهية بين العائلتين ، أراد شكسبير أن يضعا لحناً عميقاً آخر يسمو على اللحن الأول ويرتفع عليه ،ذلك هو لحن الحب الذي يربط القلبين الصغيرين الصادقين ، قلب روميو وجولييت ، وتنتهي المسرحية بانتصار اللحن العاطفي النبيل ، فيموت العاشقان دفاعاً عن حبهما وأمام هذه التضحية يسود السلام حياة العائلتين .
ومع هذا فقد كشفت لنا المسرحية عن الوحشية والقسوة في العداء القائم بين الأسرتين وفي طبيعة الأب الذي يفرض آراءه وأفكاره على ابنته دون أن يراعي عواطفها وميولها الخاص .
والواقعية في المسرحية تشكلت في العديد من الصور منها صورة الصيدلاني الذي يبيع السم ، فقد رفض أن يبيعه لروميو أول مرة لأن القانون يقضي بالموت على من يبيعه ،وهنا يقول له روميو : إنك عريان معدم وتخاف من الموت؟إن الجوع في خديك … والحاجة والبؤس يصرخان في عينيك … والهوان والفقر يثقلان كاهله ،فارفض الفقر وخالف القانون وخذ هذا المال .فيقول له الصيدلاني إنما يستجيب لك فقري لا إرادتي .وفي هذه الصورة الأخيرة لوحة صريحة عنيفة من الواقع الاجتماعي الذي يشكون منه كل مجتمع سحقه الفقر ،فتتعرض فيه فضائل الناس وضمائرهم للتشويه والفساد ،وبمثل هذه الصورة يعطي شكسبير لمسرحيته ذلك الجانب الواقعي الذي يميز به ..
الرومانسية : تتمثل بين الشخصيتين الرئيسيتين : روميو وجولييت ، فهما شابان صغيران مثاليان طموحان إلى جانب الجمال والخير ، يريدان أن يتخلصا من عالمهما الموبوء الفاسد، ليعيشا في سعادة حقيقية يصنعها لهما حبهما العظيم العميق .
فهما مستعدان للتنازل عن اسميهما ليبتعدا عن العداء العنيف المليء بالشر بين أسرتيهما، ومستعدان للرحيل من (فيرونا) بعيداً عن الأرض التي لا تقوم فوقها إلا الخصومة والحرب والكراهية،وهما مكتفيان راضيان بما في قلبيهما من ثروة عاطفية لكنهما يعيشان في ظل عقبات لا تنتهي .
لقد أغرقهما الواقع في مشاكله ، ووقف القدر نفسه في وجههما ولم يستسلما ،بل ظلا يقاومان باسم الحب ، ومن أجل الحب ، وانتهى بهما الأمر إلى أن يموتا حبيبين بدلا من أن يعيشا في عالم البغض والخصومة ،ذلك العالم الذي يكره الحب ويعاديه ،ويتفنن في خلق العقبات والخصومة .
فالحب كان واضحاً في كل أحاديث روميو وجولييت من حيث المشاعر الصادقة النبيلة والإحساس الصادق الشفاف.
هكذا استطاع شكسبير أن يجمع في مسرحيته بين واقعية تكشف الواقع الاجتماعي وتفضحه ،وبين رومانسية ساحرة تجعل من عاطفة الحب أغنية خالدة ،قد ينسى الناس صانع الأغنية ولكنهم أبداَ لن يستطيعون نسيان روميو وجولييت لأنهم لا يستطيعون أن يعيشوا بدون حب ، وبدون هذين الشهيدين اللذين دفعا حياتهما من أجل تطهير الحياة ، لكي يسعد ملايين الصبيان والبنات بالحب ، ولكي يفسح العالم بين عواطفه المتناقضة المتضاربة أفضل مكان وأعظم مكان لعاطفة الحب .
الخاتمة
فبعد تلك الرحلة المؤثر في النفس التي طفنا فيها بين الأدبين العربي والإنجليزي توصلت إلى نتيجتين الأولى تكمن في أصالة أدبنا العربي الذي لم نلتفت إليه إلا من خلال الغرب ، فهم يأخذون منا تراثنا وينقبون فيه ويضعون له النظريات ويطورونها ونحن في غفلة من أمرنا ولا نشعر بقيمة ما نحن فيه إلا عندما يعود من عندهم ..فلماذا لا نلتف إلى أدبنا نحن ؟ ألا يستحق أدبنا لفتتاً كريمة منا؟ألسنا نحن العرب الذين يمتلكون الحضارة والأصالة والتراث المشرف ؟؟
أما النتيجة الثانية فهي تتمثل في فقرتين هما : ظلم وجبروت الآباء وقسوتهم تجاه بناتهم وعدم إعطائهم حرية الاختيار ، مع أن تلك هي حياتهن ،وهن أولى من غيرهن بالاختيار والمفاضلة ، والثانية تتمثل في الحب فهو إلى يومنا هذا يعد عيباً ولا تستطيع الفتاة البوح به ،ؤفهل الحب عيب كما يزعم أصحاب العصر الحديث ؟أم أنه عيب على الفتاة فقط ؟
حاولت من خلال مقارناتي السابقة بين المسرحيتين أن أزل الغبار عن بعض أوجه التشابه والاتفاق التي رأيتها تحمل لمسة عربية خالصة من خلال عدة محاور أقمتها فيما سبق ، جعلت من الحب انطلاقة نحو آفاق المحرومين منه والمعذبين بحرارته والمكويين بناره ،وأكثر ما شدني في المسرحيتين البناء الدرامي للأحداث فقد كان متسلسلاً من البداية وحتى النهاية .وتلك هي حصيلة ما خرجت به من هذا البحث .
قائمة بالمصادر والمراجع :
1)محمد غنيمي هلال : الأدب المقارن : نهضة مصر : القاهرة 1998م.
: المواقف الأدبية :نهضة مصر : القاهرة .
: دراسات أدبية مقارنة : نهضة مصر : القاهرة 1985م.
: دور الأدب المقارن (في توجيه دراسات الأدب العربي المعاصر)
: في النقد المسرحي : دار نهضة مصر : القاهرة .
2)ماريوس فرانسو غويار : الأدب المقارن : ترجمة هنري زغيب :منشورات عويدات : بيروت :1988م.
3)فخري أبو السعود : في الأدب المقارن (ومقالات أخرى) : الهيئة المصرية العامة للكتاب : القاهرة :1997م .
4)أحمد شوقي بك : مجنون ليلى : مطبعة مصر : 1916 م
5)قصة قيس بن الملوح : طبعة صادر : بيروت : 1887م .
6)وليم شكسبير (روميو وجوليت ): ترجمة : محمد عناني : الهيئة المصرية العامة للكتاب : القاهرة : 1993م .
7)مجنون ليلى : الديوان : طبعة صادر : بيروت .
8)أحمد هيكل : الأدب القصصي والمسرحي في مصر : دار المعارف : القاهرة 1968م .
9)رجاء النقاش : في أضواء المسرح :دار المعارف : مصر :1965م

من المزايا الحميدة التي تضاف إلى عمل شكسبير هذا ، جمعه بين الواقعية والرومنسية.
الواقعية : تتمثل في كشفه للواقع الاجتماعي بعنف قسوته ، من خلال تصويره للحب العظيم الذي نشأ بين روميو وجولييت، وهو يتعرض لمشاكل معقدة معظمها ينبع من المجتمع وتقاليده.
فشكسبير من خلال مسرحيته أراد أن يهدم ويطعن العداء القديم الذي كان بين الأسرتين ،لأنه عداء قبلي قديم قابل للاشتعال في أي وقت، فبين عداء القبائل ولن التنافر والكراهية بين العائلتين ، أراد شكسبير أن يضعا لحناً عميقاً آخر يسمو على اللحن الأول ويرتفع عليه ،ذلك هو لحن الحب الذي يربط القلبين الصغيرين الصادقين ، قلب روميو وجولييت ، وتنتهي المسرحية بانتصار اللحن العاطفي النبيل ، فيموت العاشقان دفاعاً عن حبهما وأمام هذه التضحية يسود السلام حياة العائلتين .
ومع هذا فقد كشفت لنا المسرحية عن الوحشية والقسوة في العداء القائم بين الأسرتين وفي طبيعة الأب الذي يفرض آراءه وأفكاره على ابنته دون أن يراعي عواطفها وميولها الخاص .
والواقعية في المسرحية تشكلت في العديد من الصور منها صورة الصيدلاني الذي يبيع السم ، فقد رفض أن يبيعه لروميو أول مرة لأن القانون يقضي بالموت على من يبيعه ،وهنا يقول له روميو : إنك عريان معدم وتخاف من الموت؟إن الجوع في خديك … والحاجة والبؤس يصرخان في عينيك … والهوان والفقر يثقلان كاهله ،فارفض الفقر وخالف القانون وخذ هذا المال .فيقول له الصيدلاني إنما يستجيب لك فقري لا إرادتي .وفي هذه الصورة الأخيرة لوحة صريحة عنيفة من الواقع الاجتماعي الذي يشكون منه كل مجتمع سحقه الفقر ،فتتعرض فيه فضائل الناس وضمائرهم للتشويه والفساد ،وبمثل هذه الصورة يعطي شكسبير لمسرحيته ذلك الجانب الواقعي الذي يميز به ..
الرومانسية : تتمثل بين الشخصيتين الرئيسيتين : روميو وجولييت ، فهما شابان صغيران مثاليان طموحان إلى جانب الجمال والخير ، يريدان أن يتخلصا من عالمهما الموبوء الفاسد، ليعيشا في سعادة حقيقية يصنعها لهما حبهما العظيم العميق .
فهما مستعدان للتنازل عن اسميهما ليبتعدا عن العداء العنيف المليء بالشر بين أسرتيهما، ومستعدان للرحيل من (فيرونا) بعيداً عن الأرض التي لا تقوم فوقها إلا الخصومة والحرب والكراهية،وهما مكتفيان راضيان بما في قلبيهما من ثروة عاطفية لكنهما يعيشان في ظل عقبات لا تنتهي .
لقد أغرقهما الواقع في مشاكله ، ووقف القدر نفسه في وجههما ولم يستسلما ،بل ظلا يقاومان باسم الحب ، ومن أجل الحب ، وانتهى بهما الأمر إلى أن يموتا حبيبين بدلا من أن يعيشا في عالم البغض والخصومة ،ذلك العالم الذي يكره الحب ويعاديه ،ويتفنن في خلق العقبات والخصومة .
فالحب كان واضحاً في كل أحاديث روميو وجولييت من حيث المشاعر الصادقة النبيلة والإحساس الصادق الشفاف.
هكذا استطاع شكسبير أن يجمع في مسرحيته بين واقعية تكشف الواقع الاجتماعي وتفضحه ،وبين رومانسية ساحرة تجعل من عاطفة الحب أغنية خالدة ،قد ينسى الناس صانع الأغنية ولكنهم أبداَ لن يستطيعون نسيان روميو وجولييت لأنهم لا يستطيعون أن يعيشوا بدون حب ، وبدون هذين الشهيدين اللذين دفعا حياتهما من أجل تطهير الحياة ، لكي يسعد ملايين الصبيان والبنات بالحب ، ولكي يفسح العالم بين عواطفه المتناقضة المتضاربة أفضل مكان وأعظم مكان لعاطفة الحب .
الخاتمة
فبعد تلك الرحلة المؤثر في النفس التي طفنا فيها بين الأدبين العربي والإنجليزي توصلت إلى نتيجتين الأولى تكمن في أصالة أدبنا العربي الذي لم نلتفت إليه إلا من خلال الغرب ، فهم يأخذون منا تراثنا وينقبون فيه ويضعون له النظريات ويطورونها ونحن في غفلة من أمرنا ولا نشعر بقيمة ما نحن فيه إلا عندما يعود من عندهم ..فلماذا لا نلتف إلى أدبنا نحن ؟ ألا يستحق أدبنا لفتتاً كريمة منا؟ألسنا نحن العرب الذين يمتلكون الحضارة والأصالة والتراث المشرف ؟؟
أما النتيجة الثانية فهي تتمثل في فقرتين هما : ظلم وجبروت الآباء وقسوتهم تجاه بناتهم وعدم إعطائهم حرية الاختيار ، مع أن تلك هي حياتهن ،وهن أولى من غيرهن بالاختيار والمفاضلة ، والثانية تتمثل في الحب فهو إلى يومنا هذا يعد عيباً ولا تستطيع الفتاة البوح به ،ؤفهل الحب عيب كما يزعم أصحاب العصر الحديث ؟أم أنه عيب على الفتاة فقط ؟
حاولت من خلال مقارناتي السابقة بين المسرحيتين أن أزل الغبار عن بعض أوجه التشابه والاتفاق التي رأيتها تحمل لمسة عربية خالصة من خلال عدة محاور أقمتها فيما سبق ، جعلت من الحب انطلاقة نحو آفاق المحرومين منه والمعذبين بحرارته والمكويين بناره ،وأكثر ما شدني في المسرحيتين البناء الدرامي للأحداث فقد كان متسلسلاً من البداية وحتى النهاية .وتلك هي حصيلة ما خرجت به من هذا البحث .
قائمة بالمصادر والمراجع :
1)محمد غنيمي هلال : الأدب المقارن : نهضة مصر : القاهرة 1998م.
: المواقف الأدبية :نهضة مصر : القاهرة .
: دراسات أدبية مقارنة : نهضة مصر : القاهرة 1985م.
: دور الأدب المقارن (في توجيه دراسات الأدب العربي المعاصر)
: في النقد المسرحي : دار نهضة مصر : القاهرة .
2)ماريوس فرانسو غويار : الأدب المقارن : ترجمة هنري زغيب :منشورات عويدات : بيروت :1988م.
3)فخري أبو السعود : في الأدب المقارن (ومقالات أخرى) : الهيئة المصرية العامة للكتاب : القاهرة :1997م .
4)أحمد شوقي بك : مجنون ليلى : مطبعة مصر : 1916 م
5)قصة قيس بن الملوح : طبعة صادر : بيروت : 1887م .
6)وليم شكسبير (روميو وجوليت ): ترجمة : محمد عناني : الهيئة المصرية العامة للكتاب : القاهرة : 1993م .
7)مجنون ليلى : الديوان : طبعة صادر : بيروت .
8)أحمد هيكل : الأدب القصصي والمسرحي في مصر : دار المعارف : القاهرة 1968م .
9)رجاء النقاش : في أضواء المسرح :دار المعارف : مصر :1965م

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى