الثلاثاء, ديسمبر 10, 2019
الرئيسيةالأدبقصةأول أيام العام
قصة

أول أيام العام

بقلم/عبير درويش

أول أيام العام، أعشق ذاك اليوم، وهذا الصباح، وبراءة الوجه الصافى، والعينين السوداوين الرائقتين، وتلك الجديلة التى تتأرجح أسفل كتفيك بأنشوطتها الحمراء، خجلك الذى يخفى خالك الجميل، حين تلمحينى أسرق بعض النظرات، وشفاهك الصغيرة الوردية التى تفرطين فى مواراتها حين تبتسمين؛ فأحوِّل بصرى فى اتجاه آخر؛ فتتعثر خلجات نفسك ذات اليمين وذات اليسار؛ فتبادئين بالكلام وأنت تطرقين إلى الأرض، ويدك تحاول الوصول لتشتبك بأصابعى وتمنحينى الرفاهية.
“كل سنة وانت طيب.. حد يتولد أول يوم فى السنة؟!”

ترتجفين حين نتلامس، تنتفضين، أخلع عنى سترتى وأحوطك بها، فترمقينى بنظرة وتبادرين بالقول
: “أنا موش سقعانة”، فأضم طرفى السترة على صدرك؛ فتتحسسينها فرحة، أنتشى، أمتلك الكثير والكثير، أركل الزجاج المنثور بالشارع مثل الكرة، تبتسمين ساخرة منى، يظهر خالك الغائر، ينشطر قلبى، أرتفع عن الأرض وأحلق، تمطر فنسرع الخطى، نختبئ تحت مظلة الحافلات، ونستقل إحداها، ونروح ونجىء طيلة اليوم، إلى أن يعرب المحصل عن استيائه، أقضم أظافرى، وأنا أهرب من نظراته الملولة لى؛ فتضحكين منى وتصوبين نظرة إلى ساعتك، تعنى أن الوقت قد حان للرحيل؛ فأرضخ، تستقيمين وتخلعين عنك سترتى، وتلحِّين ببراءة بأن أتفقدها جيدًا حين أعود، أومئ لك، وألوِّح كعادة كل عام.

فى آخر عام، كان هناك شىء ينبئ عن اختلاف، لم تكن جديلتك تتأرجح، وكان شعرك منسدلًا، وكان وجهك مصبوغًا بألوان دخيلة، خالت لى أوساخًا فى استهلالك علىَّ، حتى أنى أخرجت منديلًا، وهممت أن أزيلها، وأصوب الرؤية، لم ألمح خالك، كان مطمورًا طيلة اللقاء، كنت تحاولين جاهدةً أن تخفى يديك فى غور سترة كنتِ تستدفئين فيها “ليست لى”، كنت أشعر بتغير فى الطقس والأرض والهواء، كنت أشخص إليك كثيرًا، وأنت تتلعثمين وتوارين عينيك بعيدًا إلى لا شىء، اليوم هو أول يوم فى عام آخر، أمشى فى نفس الطريق، ونفس الأماكن، أركل بقايا الزجاج المهشم من ليلة البارحة “سخطًا” اليوم الشوارع مطفأة، الأفراح أخذت شكلًا مغايرًا، لم يحدث شىء سوى أنى وحدى أروح وأجىء طيلة اليوم على أرصفة الشوارع ذاتها ووسط المدينة، وداخل الحافلات، أعوام كثيرة مرت، وغزا شعرى المشيب، كلٌّ افترق فى طريق، ربما رحلت، ربما تزوجت وأنجبت، ربما رحلت وأنا عرفت غيرها الكثير، وسلكت طرقًا أكثر طولًا وتعرجًا، وصاحبت وجوهًا ملطخة وأخرى “متعددة”، وقضمت الصبر وتجشأت الفراغ!..

فلِمَ ما زلت فى أول يوم كل عام أبحث فى حاشية سترتى عن هديتى المخبوءة؟