إيتيكيت الجمبري | بقلم مروى على الدين

11914138_10206948666808432_7649726689904892311_n
الروائية مروى على الدين

يقول أحد المُستثمرين، الذي عكف على إنشاء مزرعة خاصة بالـ “الجمبري”، وقد قرر قبل البدء في مشروعه أن يدرس جيدًا سلوكياته، وكيف يعيش، حتى يسهُل عليه بعدها البدء في مشروعه كوسيلة لزيادة الدخل:

” كُنتُ أرقُد بمنتهى الهدوء والسكون في القاع، أراقب أسراب “الجمبري” وهم يقتربون، أتوقع ردة فعل مُعينة فور سقوط أعينهم عليّ، لهذا توخيت الحذر حتى لا أتسبب في ارتباك بين صفوفهم، كبيرهم رفع رأسه في مُحاولة جادة لتحذيري – لست أدري ما الذي يُمكن أن يفعله “رجُل الجمبري” أكثر من التطوع لاصطياده – لكنني بالفعل لم أقترب أكثر من 150 سنتيميترًا بيني وبينهم؛ تجمدوا جميعا قُرابة ثلاثين أو أربعين ثانية، ثم انقضوا بعدها فوقي في قفزة رجُل “جمبري” واحد !”

فقط كل ما أردت معرفته، هو كيف يتصرف هذا المخلوق في حياته العادية، وكانت الحقيقة أن لـ “الجمبري “ سلوكيات تتغير كثيرا مع حركة الشمس، وأوقات الشروق والغروب، إلى أن يتصرف بشكل شديد الغرابة في الليل. الأمر العادي أن الجمبري لا يعيش مُنفردًا، ومثله مثل باقي الأسماك في طبيعته حين يشعر بهجوم أحد الضواري فإنه يتفرق لتشتيت العدو . الأمر غير العادي كان أن هذا المخلوق شديد الالتزام، نشيط ودؤوب في تبعيّته للجماعة، في مواعيد الصحو والسكون والحركة، حتى أن صغار “الجمبري” بعد أن يبلغوا زِنة الخمسة جرامات فإنهم سريعًا ما يتشبهون بالأكبر سنًا دون الحاجة لإقناعهم بشيء!

كل هذا كان سهل الاكتشاف من بعيد، لكن هل يا تُرى لهذا المخلوق حياة سياسية واجتماعية كتلك التي نعيشها نحن؟ هل عنده رغبات وأحلام وطموحات، أو حتى أهداف بحجم إصبع القدم الآدميّ الصغير، يتمنى لو ينجح في تحقيقها؟

ترى لو كان عند “الجمبري” إرادة بشرية لاختار تحطيم القواعد والانصراف عن الجماعة ولو قليلا، وارتكاب حماقات كالسهر ليلًا، أو التدخين بشراهة، أو أن يكون مع قبائل الـ “سي فوود ” بشخصية وبينه وبين نفسه بشخصية مُغايرة تماما لتلك التي يعرفها حتى أقرب الأقربين في السرب عنه؟

تُرى هل للـ”جمبري” عادات وسلوكيات مدفونة تحت رمل القاع لا يعرف عنها غيره ؟ ألا يحق هذا لهذا المخلوق – الذي يعيش في الغالب حياة قصيرة جدًا على سبيل الرفاهية والسعادة الزائفة – أن يخرق القواعد ولو لمرات قليلة ؟

من منّا ليست له عادات سِرية ؟! عادات تتكرر على مدار اليوم الواحد أكثر من مرة، خلسة دون أن يدري أحد!

الإشارة للعادة السيئة هُنا، أنها لا تحدث إلا في الخفاء مما يعني أنها عادة مقيتة يكرهها صاحبها ويُجرمها قبل الآخرون. ينفُر من نفسه ومن العادة ويشمئز لمجرد تذكرها، لكن مهما زدنا على ما سبق فكل هذا لا زال غير كافٍ للإقلاع عنها واستبدال ممارستها بأي شيء آخر. هُناك رد فعل يكاد يتشابه كثيرًا عند الأغلبية وقت ضبطهم مُتلبسين بالسلوك الرديء مثل:

الإرتباك والتلعثم، شعور عارم بالحرج، رغبة في الهروب. وفي أفضل الحالات يُحاول الشخص أن يتخلص من آثار الجريمة، مثل تعديل جلسته، وضع يده في جيوبه، الابتسام للحظات، ويسعى بعدها لفعل أي شيء يُشتت انتباهك. فلو التقيت هذا الشخص المُخطئ في المطعم مثلا، رُبما يُنادي النادل لطلب مشروب دافئ، وقد يسألك إن كُنت على استعداد لمشاركته وقت رأيته بالصدفة يجلس في زاوية نصف مُضيئة يُقشر ثِمار الجمبري ويبصق فُتات القشر! أو أنه لم يفعل هذا، لكنه يُحب أن يرتشف الشاي قبل أن يفقد حرارته ويفعلها بصوت عالٍ!

أو حين تفتح امرأة حقيبتها فجأة وتُخرج منها مرآة صغيرة – أحيان كثيرة تكون مكسورة –  ولا تشعر بالخجل، وهي تنظر إلى وجهها يمينًا ويسارًا، وتُمرر أحمر الشفاه بسرعة وكأن لا أحد يُلاحظ. وقد تُخرج مبرد الأظافر بين الناس، أو على المائدة في دعوة غذاء، وتتجاهل آداب الذهاب إلى الحمام لتصليح الماكياج اعتقادًا منها أن هذا السلوك فيه مزيد من الأنوثة والإغراء.

قد نُطلق على هذا النوع من التصرفات الرديئة عادات نصف سرية، لأن الشخص يتمسك بها ولا يتورع عن مُمارستها وسط الناس طالما هذا يُريحه. هُناك نوع آخر من العادات العامة الخاصة لا ينتبه الشخص؛ لا متى ولا أين يقوم بها، مثل دق الأرض بحذائه، فتهتز الساقان على طولهما، أو ينقر نقرًا سريعًا بأطراف أصابعه فوق المنضدة، ويقوم الخبير بالتعليق أن هذا السلوك ينُم عن انفعال واضح – على الأرجح حالة عصبية – فإنّ كان ارتعاش القدمين، بشكل لا إرادي، إراديا؛ فإن التعليق على السلوك وسط العامة أيضًا إرادي لاإرادي.

بالمناسبة ” اهتزاز الساقين والنقر بأطراف الأصابع فوق المنضدة مجرد تعبير عن نفاد الصبر!” من هُنا يجوز الاعتقاد أن ثمة دواعي نفسية تدفع الشخص نحو السلوك السيئ دون أن يعي هذا، لدرجة أن يتحول السلوك مع كثرة تكراره إلى عادة.

فهل للذاكرة علاقة بهذا الأمر؟ هل من شأن الذاكرة أن يكون هُناك جانب نقي جميل يستحث فينا السجايا النبيلة، والأفكار الرائعة، والمشاعر الفياضة، فتُضيئ لنا الطريق وسط العتمة بالمشاعل وتُميِّز بين ما يصح، وما لا يصح؟

هل من شان الآخرين أن يكونوا جرس إنذار أو مرآة تنعكس عليها صورتنا ونحن مخطئون فنرى قُبحنا ويكون هذا رادعًا كافيًا لأن نتوقف؟

هل لو غاب عن أذهاننا وجود المرايا والآخرين، سنغرق ساعتها في ارتكاب الأخطاء الجِسام، ولن يكون هُناك من داع للتوقف؛ ببساطة لأن ممارسة العادات السيئة يمنحنا الشعور بالحرية والسعادة؟
هل هُناك عدوى للأفكار والعادات السيئة؟

إن لم يُحاسب كل واحد منّا نفسه أولًا بأول فمن يقوم بهذا الدور؟ وهل أي تدخل لتعديل سلوكيات الآخرين هو نوع من تقييد الحُريات وانتهاك حُرماتهم في التعبير عن أنفسهم كما يشاؤون حتى لو حدث هذا بطريقة قبيحة ومُقززة!!

هل يُمكن وصف “الجمبري” بكائن أخلاقي يهتم بالقواعد والأصول الأخلاقية، وأن هذا المخلوق قد اختار طوعًا الالتزام بـ (إيتيكيت) الجماعة، وألا يحيد عن الصف رغم أنه كان يستطيع أن يختار شيئًا آخر ؟

“الحيوان لا يعرف المشكلة الخُلقية – بمعناها الحقيقي – لأنه لا يستطيع أن يُكون صورة ذهنية صحيحة ينتزعها من خبراته السابقة، فضلًا عن أنه لا يملك القُدرة على وضع الصعوبة التي يجد نفسه بإزائها في “مُعادلة عقلية” يُحللها بالوسائل المُناسبة ”  ” د. زكريا إبراهيم “