حماة المدينة قصة قصيرة من كتاب الأرض الطيبة

كتب : مصطفي علاء بركات

بقلم / مصطفى علاء بركات
منذ هذا اليوم الذى كان يقام فيه الإحتفال الموسمى الذى يتكرر كل عدة أشهر ، كانت المدينة لا تنام يومها و الأضواء تشع فى كل مكان و أصوات الموسيقى و الإحتفالات تهز الأرض و ترج الأذان ، و فى لحظات ساد الظلام و تدافع الجميع متداخلين فى بعضهم كالأمواج ، أب يحمل أطفاله و يجرى بعيداً ، الشباب يقفزون هنا و هناك … إنقض على المدينة جماعة من الأشخاص بأسلحة بيضاء و بعض الأسلحة النارية ، كانوا يهجمون بسرعة و يدمرون كل شىء و يحرقون كل شىء و ، لا يبالون سلاحهم يجرح من أو يقتل من ، طفلاً ، شيخاً حتى لو حيوان أليف ، حاول بعض أفراد الأمن بالمدينة أن يهاجموهم و لكن الأمر كان خطير فعند أول تحذير منهم بمكبر الصوت ، ينقض عليهم أحد المجرمين يمسك بيده سكين طويل ضخم و يقفز عليهم ، و يضرب بالسيف يمينا و يسارا فتنفجر الدماء و تتقطع الأطراف ، و مهما تلقى من ضربات لا يظهر أى تراجع أو ألم ، حتى عند رفع السلاح فى وجهه ينظر له بعين ضيقة كلها و لا يهتم و يقطع بسيفه تلك اليد التى تحمل السلاح بلا تردد ،،،
كانت لحظات عصيبة ساد فيها الخوف و الرعب و الدمار و الدماء و تراجع رجال الأمن مذهولين تغطيهم الدماء ، يحملون أجساد ضحاياهم أو من تقطعت أطرافهم ، و هم يحلفون أنهم لم يروا شيئاً مثل هذا من قبل ، مرت الأيام بطيئة سوداء لا أحد يخرج من بيته و أى شخص معرض للسرقة أو القتل نهبت المحلات و حرقت السيارات و الدمار فى كل مكان ..
فى الجانب الأقصى من المدينة ، كان هناك مجموعة من الأفراد مقيمين بين الجبال من أكثر من مائة سنة ، هم من أهل المدينة و لكن نظرا لتلك البيئة الجافة التى يعيشون بها فقد كان أكثرهم من الرجال ، يأكلون نباتات صحراوية و بعض الزواحف و يحصلون على أموال تكفى بالكاد ، لهم قائد هو أكبرهم فى السن ، و امتازوا بالولاء الشديد له على مدى السنوات و بإتحادهم و قوة تماسكهم و براعتهم فى التصويب و الرماية من أعلى الجبال سواء لصيد الفرائس أو الدفاع عن المدينة من أى معتدى أو قطاع طرق يهجمون من هذه الجهة ، و كان لهم موقف مشرف من أكثر من خمسين سنة عندما قتلوا مجموعة ذئاب متوحشة مسعورة كادت تهاجم المدينة بالمئات فأصابوهم و قتلوهم جميعا منذ وقتها و أطلق عليهم ( حماة الجبل )
ذهب وفد من المدينة ليستغيثوا بهم ، لأن المدينة فى خطر
أجابوهم بأنهم لا يستطيعوا أن يخطو خطوة واحدة إلا بعد صدور الأمر لهم من زعيمهم ، كان الزعيم لا يقابل أحد إلا بعد الساعة الرابعة حاولوا الحصول على استثناء و لكن لا مجيب و فى الساعة الرابعة تم اللقاء
– يا سعادة الزعيم نواجه خطر كبير
– فى أى منطقة
– جنوب المدينة حضرتك ، سرقوا و نهبوا و قتلوا إنهم شياطين
– هل هم مسلحين ؟
– حضرتك يدمرون ، يقتلون ، لا يخافون شىء …
– هل هم مسلحين ما نوع أسلحتهم ؟
هب أحد أفراد وفد المدينة : إنهم يحرقون و يذبحون يهاجموننا ليلا ؛ حتى و إن ضربنا أحدهم و تكاثرنا عليه و سال دمه .. لا يظهر أى ألم و يسرق و يهرب أو يجرح أحدنا فى وجهه و يهرب
– سأدرس الأمر و أرد عليكم
لم يجد وفد المدينة رد سوى أن قاموا و استئذنوا بالإنصراف
بعد يومين استيقظ أهل المدينة مفزوعين فجراً ، على طلقات متفرقة و أصوات فرار و جرى و تحطم بعض المحلات الصغيرة ،
كان حماة الجبل قد اتخذوا بعض المواقع المنتقاة بعناية فوق بعض الأسطح و المرتفعات ، و استهدفوا أماكن تجمع المعتدين و قتلوا معظمهم و القلة التى لم تموت هربت خارج المدينة لم يتجاوز عددهم خمسة أشخاص تقريباً بشهادة الشهود ،،
ظل أهل المدينة خائفين داخل منازلهم طوال اليوم و صباح اليوم التالى سمع أهل المدينة فى مكبرات الصوت
: يمنع تماما الخروج من المنازل حتى الساعة الرابعة عصرا
أى تحرك لأى سبب من الأسباب ممنوع
سيتم رصد أى تحرك و التعامل معه بكل حزم ..
و بالفعل تم التأكد من تأمين المكان و عدم وجود أى معتدين
فى اليوم الثالث فجرا بدأ أفراد حماة الجبل بالعودة لموطنهم يقودهم زعيم حماة الجبل ، إلا أن كبار المسؤولين بالمدينة و جميع أهل المدينة طلبوا منهم البقاء و عدم الإنصراف على الأقل حتى يتم تكريمهم ، وافق الزعيم على مضض
تم تخصيص فندق كامل لهم ، على أعلى درجات الرفاهية و الخدمة الفندقية إلا أنهم أصروا على المبيت خارج الغرف على العشب بساحة الفندق ، تم توزيعهم طبقا لأسلوب معين ألزمهم به الزعيم و استجابوا له على الفور ، و عندما قرر الزعيم الإنصراف و العودة لمقرهم ، طلب مسئول سياسى رفيع بالمدينة اللقاء معه فانتظر حتى الساعة الرابعة و جلس معه
– سعادة الزعيم لقد أنقذت المدينة كلها
– هذا واجبنا
– لم نشعر بأمان إلا بوجودكم
– هذا واجبنا
– صدقنى لم نشعر بالأمان إلا بوجودكم
– نعم هذا واجبنا
– بالطبع بالطبع هل يمكن أن تبقوا معنا لحمايتنا
– لا يمكن ترك المقر لأكثر من ١٢٠ ساعة تحت أى ظرف
نعود أولاً ثم نبحث الأمر
– كما تشاء حضرتك كما تشاء
فقط كنت أعرض على سعادتك الإقامة بشكل دائم أنت و أسرتك الكريمة و بعض العناصر التى تختارها لضمان حماية المدينة
و نوفر لكم كل ما تحتاجون من طعام وغذاء و أسلحة و مبالغ مالية عشرة أضعاف ما تحصلوا ، عليه مقابل حماية الموقع الأقصى من المدينة و ذلك بدعم من الحكومة و أثرياء المدينة فى مبادرة كريمة تخلد اسمكم فى سجل الشرف و أطلقنا عليها ( حماة يحموننا ) ..
اعتدل الزعيم فى جلسته و رفع رأسه للأعلى قليلا و حك ذقنه الحليقة و قال :
– و لكن مواقعنا لا يمكن تركها هكذا
ابتسم المسؤول السياسى و قال
– أصدر أوامرك و لن يناقشك رجالك
فنحن لا يمكننا منح هذه الصلاحيات إلا فقط لك أنت .
أصدر الزعيم أوامره بتعيين أحد القواد الكبار فى السن ليمارس سلطاته كزعيم لحماة الجبل فى مقرهم الأصلى ، و أخبرهم أن هذا سيوفر لهم دعم مالى كبير لشراء مزيد من الأسلحة و الماشية للغذاء ، استخلص له مجموعة من أشد الرجال ليكونوا معه فى المدينة و اتخذوا من الفندق مقرا لهم
عادت المدينة لإستقرارها و أصر أصحاب مبادرة ( حماة يحموننا ) على مشاركة الجهات ذات الفائض المالى فى التمويل المالى لدعم المبادرة
منحت حماة الجبل و زعيمهم صلاحيات واسعة جدا ، تفوق رجال أمن المدينة و تم إمدادهم بأفخر أنواع الأغذية و الأدوية و الأجهزة لضمان نجاحهم فى حماية المدينة
مرت أسابيع و شهور و ( حماة المدينة ) مستقرين بأجنحة الفندق ، و كل أسبوع بعد الساعة الرابعة يتحركون فى حملة مكثفة بسيارتهم المجهزة نحو حدود المدينة التى تعرضت للهجوم من قبل ، و تكرر الإحتفال الموسمى مرة أخرى ، تناول حماة المدينة إفطارهم الراقى فى القاعة الفخمة ، بعد أن خرجوا من حمامات البخار و التدليك الصحى ، و ارتدوا ملابسهم الخشنة التى تركوها فقط لتلك المهمات ؛ فهم لا يحتاجون لها مع أحدث تقنيات التدفئة أو التبريد فى فندقهم الفخم و ذهبوا فى احتفال مهيب لتأمين الإحتفال الموسمى ، و أصروا على جعله يبدأ بعد الساعة الرابعة كما أصروا على أن يقام فى مكان أخر بعيد عن النهر الجميل لتأمين المكان ، لم يكن الإحتفال بالبهجة السابقة بسبب الذكريات المرعبة و التدابير الخانقة الجديدة سواء فى الموعد أو المكان ، و مر اليوم بسلام و عاد ( حماة المدينة ) لفندقهم
بدأ أهل المدينة و بعض أغنيائها يتساءلون عن جدوى بقاء
( حماة المدينة ) فى الفندق الفخم ، خصوصاً أن نفقاتهم قد زادت جداً و تقريباً بلا أى مقابل ، كما أن رجال الأمن بالمدينة أبدوا ضجرهم أكثر من مرة من أن تدخل ( حماة المدينة ) فى أعمالهم يعرقل خططهم و يسبب العديد من المشاكل ، كما أن بعضهم علم أن إحدى المدن المجاورة قبضت على أربعة أفراد تحت تأثير المخدرات يرجح بشدة أنهم ممن اعتدوا قبل ذلك على المدينة و فروا هاربين
انزعج المسؤول السياسى عندما علم بالأمر ، خصوصاً أنه الأن مشغول جدا بالمشاركة فى مشروع ضخم سياحى فى منتصف المسافة بين المدينة و جبال المقر الأقصى القديم ( لحماة الجبل ) ، فقد قد تولى هو التنسيق بين الجهات المانحة و تمويل حماة المدينة و من ناحية أخرى اشترط على الزعيم فى العقد ، أن يتولى هو تمويل نائبه فى المقر القديم بمساهمة الزعيم لمقره القديم لضمان حقوقهم أيضا فهم سند المدينة و حمايتها من ناحية الجبل ، إجتمع المسؤول السياسى مع الزعيم مع النائب بمقرهم القديم فى المنطقة الجبلية عندما وصل الزعيم و رجاله ، تصببوا عرقا و اضطروا للوقوف أكثر من مرة فى طريقهم بسبب حرارة الجو و ضيق تنفسهم ، و عندما وصلوا للمقر القديم لم يستطيعوا تناول الطعام البسيط الذى اعتادوا عليه لسنوات ، لم يمض على اجتماعهم سوى ساعة واحدة أسرع بعدها الزعيم بالعودة للمدينة ، دون أن يتفقد مقره الأصلى و انطلق برفقة المسؤول السياسى الذى كان على وجهه ابتسامة عريضة
و فى اليوم التالى و فى ساعة متأخرة من الليل ، اشتعلت فى المدينة الحرائق و نهبت بعض المحلات الكبرى ، و تعرضت بعض المنازل لسطو مسلح ، انتشر الخوف ،و عندما تحرك رجال الأمن هذه المرة بشجاعة وجدوا أن المعتدين لا يهاجمونهم و يفرون سريعا بل إن بعضهم ، قال إنه فشل فى مطاردتهم حيث كانت هناك طلقات نارية تحمى ظهورهم و هم يفرون
انتفض (حماة المدينة )
و تحركوا بقوة و حسم قبل حتى أن يتم الإستغاثة بهم ، ظهروا بشكل مفاجىء على أرض المدينة و ليس فوق الأسطح ، و فى لحظات مثيرة قبضوا على عشرين شخص من المعتدين و تم تصوير تلك اللحظات و بثها على وسائل الإعلام ، اختفى تماما المعترضين على بقاء حماة المدينة من الظهور ، و أفاد أحدهم ان عائلته فى حالة هلع لتعرضهم لسطو مسلح ، و بادر المسؤل السياسى بعمل مؤتمر ضخم ليوجه فيه كل الشكر و التحية لزعيم حماة المدينة ، و يتوسل له أن يلبى رغبات الجميع و يحقق الأمن و الإستقرار فلن يستطيع القيام بواجبه المقدس و لن تقوم هذه المدينة إلا بحماية ( حماة المدينة ) …