فيلم US هذا ما جناه علينا جوردان بيل.. رؤية وتحليل أحمد الصادق

فيلم Us هو فيلم الرعب والغموض والإثارة الثاني لـ جوردان بيل، الممثل الذي قرر أن يكون كاتبًا ومخرجًا سينمائيًا، بعدما كتب وأخرج فيلمه الأول Get Out

فيلم Get Out لقى استحسانًا على نطاق واسع من الجمهور والنقاد، وتم ترشيحه لأهم جواز الأوسكار، منها أفضل فيلم، وأفضل إخراج، وأفضل كتابة وتمثيل، وحصد جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي عام 2018.

إذن، يبدو أن بيل قد فعلها من أول ضربة وجهها إلى السينما، وبالتالي، فربما يجدر بنا أن نتوقع أن فيلمه الثاني Us سيكون بنفس المستوى من الجودة، وربما يلاقي استحسانًا وإعجابًا كما لقي فيلمه الأول، وبالفعل، هناك أكثر من 150 ألف شخص قاموا بتقييم فيلم Us على موقع imdb ليحصل على التقييم 6.9 من 10، وهو تقييم ليس بسيء، ولا جيد، بل جيد جدًا.

وفي موقع rotten tomatoes تصل نسبة الإعجاب بالفيلم إلى 93%، وهي نسبة عالية.

81% في موقع metacritic، هذا بالإضافة إلى أن هناك 75% من مستخدمي جوجل أعجبوا بـ Us،

كما تصدر أعلى الإيرادات عند الافتتاح، بحاصل 71 مليون دولار في أسبوعه الأول، وبإجمالي 254 مليون دولار.

ولكن كل تلك التوقعات الإيجابية، للأسف، انحدر مؤشرها تمامًا، وغرقت في القاع، واندثرت، ذلك بعد مشاهدة الفيلم، الذي ربما يكون أسوأ فيلم Over rated تم صنعه هذا العام، على الإطلاق.

 

45 دقيقة في بداية فيلم US

إذا كان هناك ثمة ما يشفع لهذا الفيلم، فسيكون ذلك الـ45 دقيقة الأوائل.

45 دقيقة بالتمام والكمال، يمكننا أن نفصلهم عن الفيلم، بحيث يصبحون جزءًا منفردًا، متفردًا، ليس له علاقة بما سوف يحدث في النصف الآخر، من أحداث مليئة باللا معقولية.

بل إن تلك الدقائق الأولى، كانت نبتة صالحة جدًا، لأن تكوّن فيلمًا عظيمًا، ربما أفضل من سابقه Get out، فكل شيء جميل ها هنا، بدءًا من الكتابة، مرورًا بالإخراج، وصولًا إلى الغموض الممتع، المتشح بهالات من الظلمة، والسوداوية، ورعب نفسي من الدرجة الأولى.

يبدأ الفيلم بتلك العائلة السمراء، وهنا ملاحظة عابرة، إذ أنه الفيلم الثاني لبيل الذي يكون الأبطال فيه سمر البشرة مثله، ثمة إشارة ما تفوح برحيق التبعية العرقية، والتشبث بقضية ما، كانت واضحة في فيلم Get out، الذي كان يتنقد العنصرية، ولكن فيلم Us لا يتعرض لتلك الفكرة من قريب أو من بعيد، ولكن بيل له رؤية أخرى، فقد اعتزم الأمر على إظهار إمكانيات الممثلين سمر البشرة، وإبرازهم في أدوار بطولية، طالما وجدناها محتكرة من ممثلين بيض البشرة، ولا سيما في فئة أفلام الرعب، أو كما قال في حواره مع صحيفة إندبندنت البريطانية.

وربما بالفعل نجحت خطة بيل، فلعل يكون الشافع الثاني للفيلم هو الأداء العظيم للممثلة الكينية المكسيكية (لوبيتا نيونجو)، والتي تقوم بدور البطلة أديليد، وكذلك بدور قرينتها المرعبة، واستطاعت نيونجو أن تطوع كل عضلة من عضلات وجهها في التعبير الأمثل عن الرعب والحزن والخوف والقلق والدهشة، واستغلت طاقاتها الإبداعية كما لو كانت في أهم فيلم في مسيرتها الفنية، في دورين غير سهلين لشخصيتين متناقضتين، تزخران بمجموعة مكثفة من التعابير والانفعالات المعقدة.

يبدأ فيلم US عندما كانت أديليد فتاة صغيرة، ويصطحباها أبيها وأمها إلى مدينة ملاهي، تقع على شاطئ المحيط، سنة 1986، ولكن تنسلخ أديليد عنهما، وتدخل في أحد بيوت الأشباح في المدينة، مكتوب عليها “اكتشف نفسك” وكأنها دعوة من بيل أن يبحث كل منا عن نفسه الأمارة بالسوء، والتي ستظهر تباعًا في مشاهد الفيلم.

تدخل أديليد الصغيرة في دهاليز المكان المظلم، المليء بالمرايا، وما تلبث أن ترى انعكاسات عديدة لها، إلى أن تلتف فجأة، لترى أحد الانعكاسات، ولكن هذه المرة، يظهر الانعكاس بظهره، وتدرك حقيقة أن هناك نسخة طبق الأصل منها، وتصاب الفتاة بالهلع.



ينتهي ذلك المشهد، الذي تم تصويره بدرجة عالية من الجودة، واختيار مؤثرات صوتية أعطت للمشهد بريقه، ويتبعه قفزة في الزمن الحالي، ونعلم أن أديليد الصغيرة كانت قد عادت من مدينة الملاهي مصابة بصدمة عصبية، منعتها من الكلام، أو التحدث، فعلموها الرقص وأودعوها لأطباء التخاطب، حتى كبرت أديليد (لوبيتا نيونجو)، وتزوجت من جيب (وينستون ديوك)، وأنجبت طفلة وطفل، أو زورا (شاهادي جوزيف)، وجيسون (إيفان أليكس).

تنتقل أديليد مع عائلتها إلى قضاء إجازة صيفية، بالقرب من نفس مدينة الملاهي، التي تقع على الشاطئ، والتي أصبحت مدينة ملاهي مهجورة، توقفت عن العمل، ويتم رسم الشخصيات، فالابن يحب لعبة الاختباء، واللعب بالنيران، وارتداء قناع المذؤوب، والابنة أمنية حياتها أن تقود السيارات، والأب يريد قضاء إجازة سعيدة بالذهاب إلى الشاطئ حيث الملاهي، مع عائلة أخرى ترافقهم، فيم ترفض أديليد ذلك بشدة، بالطبع نستنبط أن ذلك خوفًا من مأساة دراماتيكية قد تحدث من وجهة نظرها إن هي ذهبت مرة أخرى بقدميها إلى ذلك المكان الملعون، ولكنها توافق في النهاية.

هناك، على الشاطئ، يختفي الابن، ويرى أحدهم بجوار مدينة الأشباح، يرفع ذراعيه بجانبيه، بينما تنسدل الدماء من أصابع يديه، وتبحث أديليد عن ابنها، فتجده مختبئًا بدورات المياه، ويغادران إلى المنزل، وهناك، ترى لوحة رسمها الابن، عبارة عن شخص ينظر إلى شخص آخر يقف بظهره، نستنبط من ذلك أن الابن رسم ما شاهده في مدينة الملاهي، وكذلك نستنتج لماذا فزعت الأم عندما رأت تلك اللوحة، ولكنها لما سألته عن الرسمة، لم يعرها الابن أي اهتمام.

ولما ضاق بها الخناق من المكان، ولاحقتها شبيهتها التي أصابتها بالذعر طوال حياتها، اضطرت للاعتراف إلى زوجها لأول مرة، وحكت له عما حدث لها عندما كانت صغيرة، وأنها وجدت شبيهه لها في ذلك المكان بالملاهي، وطلبت منه أن يغادروا هذا المكان، فهناك غمامة سوداء تلاحقها منذ أن أتوا إلى هنا، وعندما انقطع التيار الكهربائي، أصيبت بالذعر، وأطلقت صيحة خوف عالية.. عندها جاء الابن وقال إن هناك عائلة تقف أمام المنزل.

مشهد ظهور العائلة كان جيدًا جدًا، فهو يصيب المتلقي بالقلق، والتوتر، وتم صنعه بحرفية عالية، تلك العائلة المكونة من أربعة أفراد، التي وقفت كالأصنام هناك أمام المنزل، في قلب الليل، ولا تريد أن تحر نطقًا، بينما كان جيب يطالبهم بالرحيل، ولما لم يجد جوابًا، دخل المنزل وجلب عصا بيسبول، وكانت أديليد قد اتصلت بالشرطة. ولكن العائلة بإشارة ما من كبيرها، تفرقت، واندفعت بهدف اقتحام المنزل، في مشهد مخيف من الدرجة الأولى، خاصة بعدما خطف كبير العائلة عصا البيسبول من جيب، وضرب بها قدمه اليسرى. ودخلوا الأربعة، يرتدون ملابس حمراء موحدة، ويحملون مقصات كبيرة، ووصل الفيلم لذروته، عندما جلست العائلة قبالتهم، والتي ندرك أنها نسخة طبق الأصل من العائلة الأصلية.. إنهم هم.

 

هكذا تكلمت الشبيهة

بالطبع هناك تغيرات طفيفة، منها أن الأب اسمه إبراهام، وله لحية شعثاء وشارب، ويرثى لحاله، والأم قصيرة الشعر، صماء التعابير، والابن اسمه بلوتو ويغطي وجهه بقناع قماشي، والابنة تدعى الظل القاتم، وتعلو محياها ابتسامة شريرة. كما أنهم لا يتكلمون، ولكن فقط يومئون ويشيرون، ويطقطقون بأفواههم، إلا الأم الشبيهة فقد كانت الوحيدة، التي تتكلم، بصوت غريب، يكاد ألا يكون مسموعًا، يخرج بصعوبة من حنجرتها، وكأنها مصابة بالتهاب حاد للغاية في أحبالها الصوتية.. بالطبع كان أداءً جبارًا من لوبيتا نيونجو أن تتكلم بهذه الطريقة، ولكن لا، لم يكن الأمر مرعبًا.. لم يكن مرعبًا على الإطلاق.

ما يلي حديث الشبيهة هو سقوط مدو لإيقاع فيلم US أحدث شرخًا فاصلًا في النوع الذي ينبغي أن يكون عليه الفيلم، أعني الرعب والإثارة، فجميع المشاهد التي تلت حديث الشبيهة فقدت روح ال45 دقيقة الأولى. وأما عن حديثها، ذي الإيقاع البطيء جدًا، والذي استمع إليه أفراد العائلة الأصلية حتى نهايته، فكان مضمونه أنه كان يا ما كان، كانت هناك فتاة، وكانت لها ظل، وكانا مرتبطين معًا في كل شيء، ولكن عندما كانت تأكل الفتاة طعامًا شهيًا، كانت الظل تأكل الأرانب، وعندما كانت الفتاة تهدى بألعاب، كانت الظل تهدى بأدوات حادة وعنيفة، وعندما كبرت الفتاة تزوجت، وأنجبت طفلة وطفل، ولكن الظل أنجبت وحوشًا، ولهذا كله، كرهت الظل الفتاة، وأدركت أن ذلك هو اختبار من الرب.

يأتي ذلك على خلفية سفر إرميا 11:11 ونصه: “لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا جَالِبٌ عَلَيْهِمْ شَرًّا لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهُ، وَيَصْرُخُونَ إِلَيَّ فَلاَ أَسْمَعُ لَهُمْ”، والذي ظهر له دلالة واضحة وصريحة في أوائل الفيلم، عندما كانت الطفلة الأصلية تسير في مدينة الملاهي، لتجد شابًا يحمل لوحة مكتوب عليها JEREMIAH 11:11، ويظهر ذلك الشاب مرة أخرى، عندما كانت العائلة تتوجه إلى الشاطئ، ويكون عجوزًا، راقدًا تملأه الدماء، ويُحمل في سيارة الموتى، ولا يزال ممسكًا بلوحته التي اهترأت بفعل الزمن، وتنظر إليه “الأصلية*” بريبة. ثم تتوالى العلامات طوال الفيلم تؤكد على معنى الآية، فقبل أن تظهر العائلة الشبيهة، كانت الساعة 11:11 ليلًا، وفي أماكن متفرقة نجد ذلك الرقم، مكتوبا بالدماء، على وجوه البعض.. إلخ.

كل تلك العلامات تشير إلى نبذ الإنسان للجياع والمهمشين، ونسيانهم “أسفل الأرض”، فيعيش الإنسان حياة رغدة فوقها، بينما يتجاهل صرخات المنكوبين والمستضعفين والمهانين في الأرض. وربما كانت تلك هي رسالة فيلم US الرئيسية، التي تتضح بجلاء من بدايته، عندما كانت أديليد الصغيرة تشاهد إعلان في التلفاز عن حركة Hands Across America ، سنة 1986، والتي تدعو لمحاربة الجوع والفقر، والوقوف بجانب المساكين والمشردين، واللوجو الذي يصور صفًا من الناس ممسكين بأياديهم.

يريد بيل أن يعبر عن الشر الكامن في نفوسنا، أو في نفوس الأمريكيين بشكل أكثر خصوصية، لأنه عندما سئلت الشبيهة عن هويتهم، أجابت “نحن أمريكيون” في إشارة إلى أن الناس تبدي عكس ما تبطن، يبتسم الإنسان في وجه أخيه الإنسان، ويطعنه بالخناجر من خلفه، وهؤلاء الأشباه هم تجسيد حي لظلم الإنسان لنفسه، وللجزء المستضعف في الأرض، وها هم قد أعلنوا عن ثورتهم، كثورات الجياع، الذين لم يأكلوا طوال حياتهم سوى الأرانب النيئة، وقرروا أن يصطفوا صفًا طويلا فوق الأراضي الأمريكية، كي يعلنوا عن وجودهم.

 

فيلم US .. رعب كوميدي لا معقول!

تنهي الشبيهة حديثها، وتأمر أديليد بتقييد نفسها بالكلبش في الطاولة الخشبية، ثم تدعو كل فرد من أفراد عائلتها باللعب واللهو العنيف، كل مع نظيره، بغية تعذيبهم وقتلهم، فيمسك إبراهام بجيب ويطرحه أرضًا، وتركض الظل القاتم خلف زورا، ويلعب بلوتو مع جيسون الاختباء، أما أديليد فتسأل شبيهتها عم يريدون؟ فتجيبها الأخيرة إنهم يريدون أن يأخذوا فرصتهم ووقتهم الذي حرموا منه منذ زمن بعيد، إنه الإفراج.

ثم تترك أديليد وحدها مقيدة بالطاولة، ولا نعلم كيف لم تتمكن من رفعها أو تحريكها أو تحطيمها، وعوضًا عن ذلك، انفرجت ساقها لتلتقط عصا حديدية بعيدة، لتكسر بها الطاولة، في مشهد كوميدي جدًا. ومن بعده، تنهال اللقطات والمشاهد التي كان يراد منها أن تكون مرعبة، أو موترة، ولكن في حقيقة الأمر، كانت مشاهد المطاردات كلها كوميدية بدرجة أولى.

تحول فيلم US – دون قصد مسبق – إلى رعب كوميدي، على شاكلة أفلام المخرج تيم برتون، كـ beetlejuice، على سبيل المثال.

beetlejuice

بالطبع لم يكن في تصور بيل أن يقدم فيلمًا هزليًا، وإلا فماذا عن ال 45 دقيقة الأولى؟ ولكن بقدرة قادر، تحول الفيلم فعليًا إلى فيلم هزلي بكل المقاييس، ومطاردات طفولية، ومحاولات تبدو أحيانًا مقصودة لترطيب الجو العام، الذي من المفترض أنه مقلق، ولكنه لم يكن مقلقًا ولا حابسًا لأي أنفاس، وتأتي تلك المحاولات لتهدم كل ما بناه بيل في أول 45 دقيقة من الفيلم.

يتمكن جيب من قتل نظيره، وتستطيع العائلة الأصلية بشكل ما أن تهرب من العائلة الشبيهة، ويركبون قاربهم البخاري، ويذهبون إلى العائلة الصديقة، المكونة من أب وأم وفتاتين توأمين، ليجدو أن لهم أشباهًا كذلك، وقد قتلوا نظائرهم جميعًا، وتزداد الكوميديا واللا معقولية في حدتها ها هنا، خاصة بين جيب، وشبيه صديقه، الصراع الذي يشبه إلى حد ما صراعات إسماعيل يس مع الأشرار في أفلامه الكوميدية، أما أديليد فقيدتها شبيهة صديقتها، ولم تقتلها، وهنا ينبجس سؤال مشروع لا إجابة عليه: لماذا لا يقتلونها يا بيل؟ بينما كانت شبيهة صديقتها تقوم بقطع وجهها بمقص، في مشهد ليس له أي دلالة سوى العبث.

بالطبع تستطيع العائلة الأصلية أن تنفلت من الموت، وتتمكن من أشباه أفراد العائلة الأخرى، ويجلسون يفكرون في الخطوة القادمة، وفي تلك الأثناء يسمعون في التلفاز أن هناك حالة طوارئ في المدينة كلها، ويشاهدون صفًا طويلًا للعديد من الأشباه، جميعهم يرتدون ملابس حمراء، ويدركون أن الأمر قد تفشى في المدينة كلها. هنا تتكلم أديليد بمعقولية، وتقول إن عليهم الرحيل إلى المكسيك، فيرفض جيب قائلًا: الأفضل أن نمكث ها هنا، وننصب للقادمين الفخاخ، كما في فيلم Home Alone!.. حقا؟! لقد كان جيب جادًا فيم يقول، وبيل كذلك، لا أعلم كيف سمح لنفسه أن يطلق مثل تلك الفاجعة الكتابية في مثل ذلك الموقف، بينما هناك مسألة حياة أو موت، وقتلى يتناثرون من حولهم، ويأتي جيب ليتحدث عن فيلم وحده بالمنزل!

الطامة الكبرى الأخرى، عندما زعقت فيه زوجته أديليد، وعنفته لأنه يقول كلامًا غير معقول، فيذهبون ليستقلوا سيارة العائلة الصديقة، فيدور سجال بين الأم أديليد وابنتها عمن سيسوق السيارة! فتقول زورا: أنا السائقة! وتعنفها أمها: مستحيل! فتقول زورا: أبي قدمه مصابة، وأنتِ مقيدة، فترفض الأم، فتقول زورا: لدي أعلى معدل قتل في العائلة، لقد قتلت التوأمين! فتصحح لها أمها أنها مخطئة فقد قتلت هي إحدى التوأمين. ثم لا يفتأ كل واحد منهم يحصي كم شخص قتله، وينتهي الأب إلى أنه هو وزوجته أصحاب أعلى معدلات للقتل، وبالتالي فالأم لها الأولوية في القيادة!! ما هذا الكلام الفارغ يا بيل؟!

لن أتحدث عن أن السيارة كانت بناقل أوتوماتيك، وكان الأب يستطيع أن يقودها بسهولة بقدمه اليمنى، ولكن دعنا ننتقل إلى نقطة أخرى، حيث تقابلهم شبيهة زورا فجأة، فتضطر أديليد للركوب في الخلف، وتقود زورا، وتطيح بشبيهة ابنتها، وبدلًا من أن تستمر العائلة في القيادة، تنزل أديليد من السيارة، لتتفقد شبيهة ابنتها، وتتأكد أنها ماتت.. هل هذا وقت تفقد للموتى يا بيل؟ وهل رسمك لشخصية الأم، التي ظهرت منذ اللحظات الأولى، وقد اتصلت بالشرطة، مرورًا بالخوف على أبنائها، وصولًا إلى قرارها الحاسم بالمغادرة فورًا إلى المكسيك.. كيف تضع نفسها وعائلتها في موقف غير آمن؟ لماذا لا تستمر في السير وكفى يا بيل؟

ولكن بيل لم يكتف، فقد جعل الأم تمسك زمام القيادة، ثم تتوقف مجددًا ما إن تجد بلوتو، وتنزل من السيارة مرة أخرى. هناك إصرار إذن على عدم معقولية الموقف، أين ذهب الحديث عن المغادرة الفورية والسفر إلى المكسيك؟ هذا الوقوف المتكرر غير مبرر دراميًا، اللهم إلا كي يجد بيل لنفسه طريقًا في السيناريو، ويلوي عنق الكتابة، ليتم اختطاف جيسون، وتلحق أديليد بشبيهتها، حيث الخندق الذي يتوارى تحت مدينة الملاهي.. كان لابد للأم أن تتوقف كثيرًا وألا تعتزم تنفيذ فكرتها بالهرب نحو المكسيك، وإلا، فكيف سيتسنى لبيل أن يصل بالبطلة إلى ما وصلت إليه لينهي الفيلم نهاية جيدة؟!

     فيلم US المواجهة

هذه هي اللحظة التي ينتظر فيها المتلقي تفسيرًا مقنعًا، بحيث تتكشف المناطق الغامضة، وتستنير الأفكار، وتتشابك الخيوط، ويأتي الاستنتاج الأخير، الذي من المفترض أن يجعل المتلقي راضيًا حد الثمالة بما يشاهد.. ولكن هذا ما لم يحدث، فعندما كنت أشاهد ذلك المشهد الطويل، الذي وصلت فيه أديليد إلى نفس المكان التي ذهبت إليه في مدينة الملاهي في أول الفيلم عندما كانت صغيرة، ونزلت في دهاليزه، كنت أقول في سري بصوت مسموع، ربما سيكون هناك تفسيرًا علميًا، أو خيال علمي، لما يجري في الفيلم.. كنت أقولها على سبيل الاستنكار، بجملة ما في الفيلم من أمور لا معقولة.. ولكن Guess what?، بالفعل كان لقضية فيلم US تفسيرًا علميًا!

فعندما وصلت أديليد لشبيهتها حكت لها الأخيرة بطريقة مباشرة كل شيء عن ذلك المكان، فقد صنعهم عدد من علماء الحكومة الأمريكية عن طريق استنساخهم بطريقة ما، بحيث يصبح لكل شخص بالأعلى شبيهًا له، ولكن بروح واحدة، فيكونان مرتبطين، وكان من المفترض أن الهدف من صنعهم هو التحكم بمن في الأعلى، ولكن باءت التجربة بالفشل، فهجروهم العلماء، ونبذتهم الحكومة هناك بالأسفل، وتركوا لهم العديد والعديد من الأرانب ليتغذوا عليها، وكان مصير هؤلاء “المرتبطين” – أو كما أطلقت عليهم الشبيهة – هو أن يفعلوا بالضبط ما يفعله من بالأعلى، يتحركون مثلهم، يرقصون مثلهم، يأكلون مثلهم، في نفس التوقيت، بنفس التفاصيل، ولكن بخلاف أنهم يعيشون حياة وهمية، وليس لديهم أي هدف في حياتهم.



وهكذا، تحدثت الشبيهة قائلة: تُرى، كيف هو العيش في الهواء الطلق، والشعور بالشمس والرياح؟ ثم ساقت لأديليد الأسباب التي جعلتهم يشعرون بالغضب تجاه حياتهم المنسية بالأسفل، وذكرتها بتلك الليلة التي جعلت القدر يجمع بينهما، فقد تحركت الفتاة الأصلية، داخل اللعبة بالملاهي، بخطوات كانت تنفذها الشبيهة، إلى أن وصلت إليها بالصدفة، على حد قولها. ومذّاك، وهي لم تتوقف عن التفكير فيها، وكيف كان بإمكان أديليد أن تأخذها معها بالخارج، حيث العالم الحقيقي.. هكذا قالت الشبيهة، ولما وجد الأشباه الآخرون فيها تميزًا وتمردًا، أرادوا منها أن تخلصهم من المأساة، فوضعت الخطة المحكمة، وقالت إنها لم يكن عليها أن تقتلها وحسب، بل الإدلاء ببيان للعالم أجمع، متمثلًا في ذلك الصف متماسك الأيدي الذي يقطع أمريكا.

ثم يأتي مشهد المعركة الراقصة بينهما، وتتحرك الشبيهة بخطوات واثقة، وتحركات انسيابية، ولا تفعل سوى أن تصد أو تتفادى ضربات أديليد، بحيث نصبح مقتنعين تمامًا، أن أديليد ستموت مقتولة لا محالة في النهاية.. ولكن – بالطبع – تتمكن أديليد من قتل الشبيهة ببساطة، وكأن الأخيرة أصابتها بلاهة وسذاجة فجأة، ونسيت فنون القتال التي أمتعتنا بها طوال الفيلم، كما أنها قتلتها بدون أن تسألها عن مكان ابنها، وهي البديهية الأولى: إن كان أحدهم يخطف ابنك، فلا تقتله، قبل أن تعرف مكانه! ولكن لحسن الحظ ظهر الابن بكل بساطة، وانطلقوا جميعًا مغادرين أخيرًا إلى المكسيك.

 

التويست القاتل

لن أتحدث هنا عن لماذا لم تقتلها الشبيهة منذ البداية عندما كانت الفرصة سانحة، واكتفت بتقييدها، ولا عن ما الذي سيحدث للصف بعد موت زعيمتهم، ولا عن مئات الآلاف من أشباه البشر الذين كانوا يعيشون هناك بالأسفل، يتغذون على الأرانب، ولا من أين تأكل الأرانب، ولا أين ذهب هؤلاء العلماء، والذي هو من الواضح أنهم يتعلقون بالحكومة الأمريكية التي كانت تريد السيطرة على بعض الأشخاص بالخارج، ولا عن كيف يتركون مكان بهذه السرية بدون حراسة، ولماذا لم يعدموا كل تلك الأشباه بعدما باءت التجربة بالفشل، ولا عن لماذا لم تتمرد الشبيهة إلا الآن، ولا عن لماذا هي الوحيدة التي تمردت، ولا عن لماذا لم تصعد مرة أخرى وتفر هاربة من الجحيم التي تعيش فيه، والذي كان مفتوحًا بدون قيود ولا أقفال ولا ترابيس للعالم الفوقي، ولا عن من أين أتوا بمئات الآلاف من الملابس الحمراء الموحدة، والمقصات، والصنادل…

ولكني سأتحدث عن التويست القاتل…




فبينما هم مسافرون إلى المكسيك، دخلت الكاميرا في رأس أديليد، وتم تصوير فلاش باك يستكمل ما حدث بعدما ذهبت تلك الفتاة الأصلية إلى ذلك المكان بمدينة الملاهي، ووجدت الشبيهة، حيث قامت تلك الشبيهة بطرح الفتاة الأصلية أرضًا، واختطفتها بالداخل، وهبطت بها في خندقهم، وخلعت قميصها، وقيدتها، وارتدت القميص، وخرجت إلى العالم، على أنها الفتاة الأصلية.

هذا يعني، أن في كل مرة كنا نقول عن الفتاة أنها أديليد، وأنها الأصلية، فهي في الحقيقة الفتاة الشبيهة، التي عاشت طفولتها تحت الأرض. وأنه في كل مرة كنا نتحدث عن الشبيهة، فكنا نقصد هنا أنها الفتاة الأصلية، أي أديليد نفسها، التي ظهرت في بداية الفيلم مع أبيها وأمها في مدينة الملاهي. بمعنى أن أديليد في الحقيقة هي الشبيهة، والشبيهة كانت هي أديليد.. ويأتي هذا التويست، ليقتل كل شيء منطقي آخر متبقي للفيلم.

والآن، القارئ الذكي، سيلمح ما في ذلك من تناقض بيّن في البنية الأساسية للفيلم برمته، وسيصعد لأول المقال، ويقارن بين الشخوص، وردود أفعالهم، ويتساءل، ومن حقه أن يستاءل: لماذا لم تحدث مواجهة بين أديليد وشبيهتها منذ البداية؟ لماذا لم تقل لها أديليد (الفتاة الأصلية) “لقد حبستيني في هذا الخندق أيتها المجرمة! ثم تقتلها في التو وفي اللحظة. ولماذا كرست حياتها بالداخل لتصعد بجيش لتقتل كل من بالخارج؟ ولماذا لم تصعد مرة أخرى وتهرب بسهولة من هذا المكان كما جاءت إليه منذ البداية؟ وما محل إعراب المواجهة التي دارت بينهما وحكيها وتفسيرها لكل شيء، ألم يكن الأجدر بها أن تتحدث عن خطفها إياها هنا بالأسفل؟ ومن ثم تقتلها شر قتلة؟ الأمر الذي سيكون أوقع من مجرد التمثيل والتظاهر، ليس على أنفسهم وحسب، بل على المتلقي أيضًا! وما الذي حدث لطبقة صوتها؟ هل نسيت كيف كان الكلام؟ وماذا عن نظراتها الغريبة، وانفعالاتها العجائبية؟ هذا غير منطقي! وكل تلك التساؤلات وغيرها الكثير، تضرب الحبكة في مقتل مرعب، يضاهي رعب الفيلم.

وفي النهاية، تستقل العائلة سيارة أخرى، وهي سيارة إسعاف، وكأنهم يتركون تلك السيارة ذات المحرك الأوتوماتيك، فكانت نذير شؤم، لا يتحركون بها بضعة أمتار، حتى يتوقفون، وتنزل الأم منها. فربما سيارة الإسعاف الجديدة هذه، ستذهب بهم في النهاية إلى المكسيك بدون توقف.. هذا ما جناه علينا بيل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *