مجموعة قصصية “أزمة حشيش” نصَّا المتن والهامش.. دراسة محمد علي إبراهيم

محمد علي إبراهيم

أحمد الملوانى قاص وروائى قدم روايةً مطبوعةً زيوس يجب أن يموت وكانت تجربة شديدة التميز على مستوى البناء واللغة، واستمتعت بمتابعة كتاباته حتى رهانه الجديد الذى بين يدينا وهو مجموعة قصصية بعنوان أزمة حشيش.

مجموعة قصصية “أزمة حشيش”.. نصَّا المتن والهامش

عتبة النص : عنوان وغلاف واهداء ومقدمة ؛ عنوان صادم يلخص حقيقة وطن وغلاف مصنوع بذكاء جيد وإهداء يغلب عليه “الواجب الإجتماعى” قد تستطيع ازاحته عن عتبة النص ودلالاتها الفنية وتظل الجملة الافتتاحية للمجموعة (طول ما الحشيش متوفر .. مصر بخير) فى غير صالح العمل بالمرة ؛ لأنها قد تنقل القارئ –على عكس حقيقة المجموعة- لحالة من الاستعداد لقراءة نص كوميدى بحت من تلك النصوص التى امتلأت بها الأرصفة .

عبر ثمان قصصٍ قصيرة وهامش وحيد يخوض أحمد الملوانى تجربة مميزة فى الكتابة ؛ يصنع نصَّى المتن والهامش .

الهامش هنا مكتوب بحرفية وتقنية “المتتالية القصصية” وهذا سيُجبرُ القارئ على قراءة المجموعة بترتيبها القصصى المكتوب حتى لا يفقد حلقة من تلك المتتالية , بينما النصوص مفردة وإن اجتمعت على هم وحيد لرصد حال الشارع من زوايا متعددة عبر تقنيات سردية مختلفة .

قد لا تكون هناك إجابة مُرضية عن سبب تلك اللعبة ولكننى أؤمن أن الإبداع يحتاج –أحياناً- أن نتخلَّى عن منطقية المعنى , وسيبدو سؤالٌ بحجم “لماذا لم يصنع الهامش نصاً مفرداً كمتن جديد ؟؟” قاتلاً لفكرة المجموعة  بكاملها ويفقدها معنى التعامل معها كقطعة حشيش مميزة .

تنتمى المجموعة القصصية للشارع المصرى بامتياز شديد وتبدو مشكلات المواطنين حاضرة دائماً والأزمات السياسية والإقتصادية والإجتماعية من خلال علاقات انسانية متواترة , وكان موفقاً فى رصد –نادر- للفعاليات والعلاقات بين أبناء الوسط الثقافى فى الجيتو الضيق الخاص بهم .

منذ القصة الأولى تذهب مع القاص فى رحلة بين المتن والهامش / المبدع والناقد / المرئى والمحتجب .

أزمة حشيش لأحمد الملواني

أزمة حشيش أحمد الملواني

لدى يقين بأنه لتصنع نصاً جديداً ؛ عليكَ بالكتابة بلغة أخرى وتدعمها ببناء فارق محكم , هنا القاص يكتب بلغة بسيطة سلسة تناسب أجواء النصوص لكنه لم يقدم إجابة مقنعة للقترئ عن سبب تنقله فى الجمل الحوارية بين العامية والفصحى رغم تشابه أجواء الحكى عبر نصوص المجموعة الثمانية , بل شعرتُ أنه يتعمد الكتابة بلغة (قد أستطيع وصفها بالعادية) حتى لا يعطى مساحة للقارئ لاستدعاء أى كاتب أخر قد يُلقى ظلاً على تجربة الملوانى الابداعية .

ويراهن بقوة على قدراته البنائية للجسد الإبداعى , وبلغ قمة ذلك فى قصة “انفصال” عندما (اخترع) بمهارة رائقة تكنيك “الفلاش باك” بطريقة جديدة تماماً ومحكمة للغاية تعتمد على تواتر دائم ومتوال للفلاش باك ؛ جعلت القارئ فى حالة فوران ويقظة ممتعة مع لعبة الكاتب البنائية .

يستمر القاص محافظاً على لغته ومتنقلاً فنياً عبر نصوص المجموعة ويبدو نص “طولة لسان” كنص فارق تماماً وجوهرة ابداعية حقيقية ويستطيع أن يفقدك ببراعة اليقين بالأسطورة والحياتى مدعمةً بتنويعات صوتية ولغة (جامدة) هى الأنسب لتلك المغامرة الإبداعية .

يبدو “خيال الضل” نصاً باهتاً للغاية
داخل نسيج تلك المجموعة واندهشت بالهامش وكأنه يبرر حالة انكسار الكاتب ابداعياً هنا,
لست سعيداً بهذا النص واعتبره خارج إطار المجموعة بكاملها .

أحمد الملوانى مولع للغاية بالفانتازيا على مستوى النص وعلى مستوى الكتابة,
ويتنقل هنا على تلك الأجواء كثيراً عبر نصوصه “كرم رئاسى” , “حدوتة بعد الموت”
التى تحمل فى طياتها ملامح لسقوط الدولة وانهيارها فى كتابة ابداعية محكمة &
نصه الرائع “رقصة بينوكيو الأخيرة” التى يختتم بها نصوص مجموعته وتتقافز من خلالها
الاسئلة وقد يرى الجميع هنا أنهم كلهم “بينوكيو” تلك الدمية التى أرتبطنا بها كثيراً
فى الحكايات وعبر شاشات التلفاز ويصنع منها الكاتب جسداً مكتمل الملامح فى رهان
ناجح لقدرته على خلق نص جديد من جسد ميت .

أزمة حشيش مجموعة قصصية تعد أنتصارًا لجيل جديد

المجموعة تشهد انتصاراً جديداً لجيل الكتابة الجديد فى مصر فى انتهاء خصومتهم مع التابو الشهير
“الدين , الجنس & السياسة” , وهنا أحمد الملوانى يدخل لذلك التابو بشفافية رشيقة واضعاً حاجزاً
مع القارئ الكلاسيكى حتى لا يفقده كجزء مهم من مجموع القراء , وتبدو قصته “سيرة الإله الجديد”
نموذجاً على دخوله بذكاء لقلب هذا التابو .

نحن أمام مجموعة تحمل العديد من النجاحات ؛ دار نشر صغيرة تراهن على مبدع فى دائرة الظل,
وكاتب يصعد بتحقق شديد نحو دائرة النور الحقيقى للكتابة من خلال مجموعة
شديدة الخصوبة والتميز.

 

كتب : محمد علي إبراهيم 

الكتاب : أزمة حشيش / مجموعة قصصية 

الناشر : العصرية للنشر والتوزيع – الطبعة الأولى 2013

عدد الصفحات : 119 صفحة