الأحد, سبتمبر 19, 2021
الرئيسيةالأخبارمروى علىّ الدين تكتب: منصَّة الندم
الأخبار

مروى علىّ الدين تكتب: منصَّة الندم

13428433_10209100813010742_6600689640398662829_n

هل سمعت عن نظرية الأدوار من قبل ؟!

 في عُجالة أقول لك ، إنها إحدى نظريات دراسة الشخصية ، حيث يُمكن لشخص واحد فقط ، أن يُمارس دور الموظف بمصلحة حكومية ، ثم دور الزبون الطالب للسلعة ، ثم دور المريض ، دور الأب أو الأم ، الزوج أو الزوجة . ومن هنُا ينبثق سؤال بسيط يُمكن أن يسأله كل إنسان عادي لنفسه : ” من أنا وسط كل هؤلاء ؟ “

 

سنُفكر بالإجابة في هيئة أجزاء ثم نقوم بالربط بينها سويا في غضون ثلاث دقائق ..

 

 أولا : أن الحقيقة هي أمر تم في الزمان الماضي وانتهى ، مثل شخص فارق الحياة ، ومات موتًا كاملًا ، فانتهى دوره الحياتيّ تمامًا ؛ ويُمكنك أن تكتب التاريخ من وراء حكايته التي عاشها كاملة .

 

 ثانيًا :  أن تُحدد معنى ” الحقيقة ”  التي غالبًا ما تكون قبيحة ، فلا تتجمّل أمام المرآة ، لأن وقوفك أمامها سيكون لهدفٍ واحدٍ :  أن ترى العيوب كما يراها الآخر وأنت لن تراها إلا بالمواجهة ولا تنس أن تضيئ مفتاح الإضاءة إن شارفت الشمس على المغيب .

 

ثالثا : حين تضع الحقيقة في الإطار ، بالقياس الذي يُناسبها ويُناسبك ، فأنت لست بحاجة  إلى أن تُطلع الآخرين عليها ، فالصورة سوف تختفي فورًا حين تبتعد بجسدك من أمام المرآة ، لأن ما يدعو للطمأنينة أن المرآة ليست لها ذاكرة ، ليست مثلنا .

 

وكلمة الحقيقة ، مُجرد كلمة مُبتكرة للتعبير عن شيء ما ، أو موضوع ما ، قد يبدو قياسيًا في مواصفاته كي نقول عليه أنه شيء حقيقي ، أو موضوع حقيقي ، لكن الحقيقة بحد ذاتها إن قبلت النقد قد تكون غير حقيقية هي الأُخرى !

 وبما أنني نموذج ، ولأنني أرى العالم من خلالي ؛ في لحظة حقيقية  مارست دوري في الحياة كامرأة عادية وقفت أمام المرآة ، وبنبرة ساخرة قُلت لزوجي   :    ” لقد نبتت لي شعرة بيضاء ” هُنا على زاوية جبيني ؛ أشار إلى لحيته الرمادية ، ورُبع رأسه الخالي من الشعر ، مُدللًا على مرور الزمن بسرعة  : ” إنها ليست أول شعرة بيضاء في الإسلام على أية حال ! ” .

 

كانت عبارته طريفة لكنها جديرة بالتأمل ، فمثل هذا التحول ، لا نكترث له في العموم لو حصل لكل من نعرفهم من حولنا ، لكن عندما نقف نحن أمام المرآة ، ونُلاحظ ثمة تغيُر ساعتها تبدأ التساؤلات ..

 أنا الآن بدأت فعليًا أفقد حظي من الجمال !

أشعر ببوادر الشيخوخة ، وأنوثتي تمُرُّ بوعكة مُبالغٌ فيها ..

هل الوعكة النفسية التي أشعر بها  ” طبيعية ” لأنني أتقدم في العمر ، أم أنني مُجرد ” حاوية ” تزن 78 كيلوجراما ، وأضعاف هذا الوزن من الإحباط ؟

هل لدي خيارات حقيقية في تجميد الزمن ، والتوقف به عند نقطة ما ، فأكون هكذا قد حققت اختيارًا مثاليًا ، أشكر عقلي وإرادتي عليه ؟! .. تُرى ما هي اللحظة المثالية التي يجب أن يتوقف بي الزمن  عندها ؟! هل لي إرادة ” تامة ” 100% ولا دخل لأي مُسببات في هذه اللحظة الشعورية ، وهذا المشهد الداخلي جدًا ، وهذا المسرح الذي يعُج بي ؛ لأن مسرح حياتي في هذه اللحظة التي توقف بي الزمن عندها ، الذي لا يعتلي خشبته غيري ، ولاحقًا سأختار الجمهور المسموح له بالدخول إلى قاعة العرض فردًا.. فردًا .

 أتحسس وجهي ، أمد شفتيّ إلى الأمام وأضمهما في انفعالات طفلية مُضحكة ، أرفع رأسي وأُمرر أناملي النحيلة فوق مُنحنيات رقبتي .. خداي .. عيوني المُبطنة بطبقة من الجلد الرقيق الذي يتهدل سنة تلو الأُخرى ..

 لماذا أبدو في هذه اللحظة وكأنني أرفض شهادة المرآة ؟!

 حاصل جمع ” العُمر الزمني ” وهذه ال ” كُتلة ” من اللحم والشحم والعظم ، والشعر ” الذي لا يزن كثيرًا لكن واجب ذكره ” ، تُساوي بالضبط هذه الصورة المُنعكسة أمامي على هذا السطح اللامع المصقول ، الخالي من الذاكرة .

 هذه المرآة جديدة ، لكنني أعتقد أن جميع المرايا تتمتع بذاكرة خالية ، فلا تستحضر وقت العرض سوى هذه الكتلة شحمًا ، ولحمًا وعظامًا ، دون إضافات . ها هي ، أكثر من ممثلة هوليودية ؛ عرضت صورتها دون مساحيق تتهكم من التعليقات حول المرحلة العُمرية التي تعيشها ، وهيئتها التي تقدمت نحو الشيخوخة ” طبيعيا كما يحدث لكل بنو البشر ” وفحوى الرسالة  يبدو مُطمئنًا إلى حدٍ كبير ، أنها مُتصالحة جدًا مع نفسها ، وهيئتها ، للدرجة التي دفعت بها للرد بمثل هذه الرسالة . أعلم أنها ليست مُتحرِّجة من مظهرها ، وأنا أيضا أقول لنفسي مثل هذه العبارات ، اللامعة ، المُشجعة ، كلما نظرت إلى المرآة،  ووجدت أمامي شخصًا يبدو لي مألوفًا ..

 تُرى كم من الوقت استغرقت هذه النجمة الهوليودية    ” المرأة ” قبل أن تضغط على زر النشر ؟!

 لم أتحرك ” أنا” من أمام المرآة .. تملكتني رغبة عارمة في البكاء؛ حين تيقنت أنني  لم أُمارس الحُزن كما يجب  أن يكون، حين تحطمت المرآة التي وقفت قُبالتها حصة من عمري ببيت أمي ..

تركت جزءًا مني هُناك .. بقلب المرآة داخل خزانة الملابس ، وجزء آخر في مرآة الحمام  ، مثل هذا الشعور يجعل من المرآة كيانًا أكثر صلابة مني ، فأزداد أنا هشاشة كلما تذكرت .. وندمت.

 أقول للجنيّ الذي يسكن المرآة : أنا جبانة ..أشعر أنني جبانة ، فكلما تشجَّعت لأُواجه الخوف والندم ..أخاف أكثر، وأخاف حتى أندم، وأندم لأنني أخاف

 يرد الجني : سنلتقي، ويكون كل شيء على ما يُرام..

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: